الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 من أعز الناس ؟!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شمعة وسط الظلام



عدد الرسائل : 486
تاريخ التسجيل : 18/06/2007

مُساهمةموضوع: من أعز الناس ؟!   الأحد أغسطس 26, 2007 2:56 pm

من أعز الناس..؟



تختلف الآراء اليوم في الإجابة على مثل هذا السؤال: من أعز الناس؟ فمن الناس من يرى

أن أعز الناس صاحب السلطة والنفوذ. ومنهم من يرى أن أعز الناس صاحب الشهرة والجاه. ومنهم من يرى أنه صاحب المال، أو صاحب الجمال. ومنهم من له رأي آخر.


ولا غرابة في تعدد الأجوبة واختلاف الآراء في زمن تعيش الأمة فيه بفلسفات متعددة، ومفاهيم مختلفة، نتيجة ظروف ومؤثرات متنوعة، تحكمها مصالح واعتبارات شتى، ولعل من أبرزها: تحقيق الفائدة الخاصة والمصلحة الشخصية.


لكن لما كانت الأمة تعيش بمبادئها الواضحة، ومفاهيمها الراسخة، ومعاييرها الثابتة، لم يكن في قاموسها أن الأشياء المذكورة هي الأساس لبلوغ العز وتحقيق المجد، ذلك لأنها

أمور تعرض وتزول، ولا دوام لها ولا استمرار.



إذا، فمن هو أعز الناس في نظرهم؟ وأدع الجواب لقصة من تاريخنا المجيد:

زمانها: مطلع القرن الثالث الهجري. مكانها: بلاط الخلافة العباسية.



أبطالها: الخليفة العباسي عبد الله المأمون بن هارون الرشيد المتوفى سنة 218هـ، واثنان من أولاده، والإمام يحيى بن زياد أبو زكريا الفراء المتوفى سنة 207، أحد أئمة اللغة العربية ومن رواة الحديث الثقات، وكان أستاذا لولدي المأمون. وإليكم أحداث القصة كما ذكرها الخطيب البغدادي في كتابه (تاريخ بغداد) عند ترجمة (الفراء)، قال رحمه الله: كان المأمون قد وكل الفراء يلقن ـ أي: يعلم ـ ابنيه النحو.



فلما كان يوما أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه، فابتدرا ـ أي: أسرع ابنا المأمون ـ إلى نعل الفراء يقدمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردا، فقدماه.


وكان المأمون له على كل شيء صاحب ـ أي: موظف يراقب له ما يجري ـ فرفع ذلك إليه في الخبر، فوجه إلى الفراء ـ أي: أرسل إليه ـ فاستدعاه. فلما دخل عليه قال له ـ المأمون ـ: من أعز الناس؟


قال الفراء: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين. قال: بلى، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، حتى رضي كل واحد أن يقدم له فرد.


قال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها، وقد يروى عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين ركابيهما ـ الركاب: المكان الذي يضع الفارس فيه قدمه حتى يركب الفرس ـ حين خرجا من عنده. فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحدثين ـ الشابين ـ ركابيهما، وأنت أسن منهما؟!.


قال له: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل.



قال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوسعتك لوما وعتبا، وألزمتك ذنبا، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما، وبين عن جوهرهما، وقد ثبتت لي مخيلة ـ أي: ظن ـ الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرا عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلمه العلم، وقد عوضتهما عما فعلاه عشرين ألف درهم , ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهم.


هذه القصة تعد بحق من روائع التراث، ومن ذخائر التاريخ ؛ لما اشتملت عليه من المعاني القيمة التي كانت الأمة تحيا بها في تلك العصور.

لكن يبقى السؤال: لماذا اختلفت أجوبة اليوم عن جواب الماضي؟



ولعل السبب في هذا أن الأمة في الماضي أدركت قيمة العلم وأهميته يوم أن نظرت إليه من منطلق شرعي، فقامت بواجبها تجاهه تعلما وتعليما وعناية واهتماما على أنه عبادة لله سبحانه، وأنه من أفضل الطاعات وأقرب القربات.


لذلك اعتنوا بالعلم، وأكرموا العلماء؛ تدينا، وتقربا إلى الله تعالى الذي كرمهم وذكر فضلهم في القرآن الكريم. قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} فاطر (28). وقال جل وعلا: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} الزمر 9.


إنهم في الماضي اعتقدوا أن الأمة إذا قصرت في العلم عصت ربها، وفقدت عزها ومجدها، وأفتوا فتواهم الشهيرة بتأثيم الأمة كاملة، إذا تقاعست عن العلم، واحتاجت فيه إلى عدوه.


إنهم في الماضي حرصوا على العلم، فأكبوا على تحصيله، ورحلوا من أجله، وتحملوا الصعاب في سبيله، وازدادوا منه، استجابة لأمر الله تعالى لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (وقل رب زدني علما).


إنهم عملوا على نشر العلم، واعتنوا بالعلماء، وأنزلوهم المنازل الكريمة اللائقة بهم، ذلك لأنهم المصابيح التي يهتدى بها، فحصدوا عزا ومجدا وتقدما ورفعة.


إنهم تسلحوا بالعلم، واستطاعوا به أن يفتحوا عقول البشر، قبل أن يفتحوا بلادهم، وأن يملكوا قلوبهم قبل أن يملكوا ديارهم، فدخل الناس في الإسلام أفواجا رغبة وحب.

واليوم - وياويح اليوم! - قد اختلفت النيات في طلب العلم، فمنهم من يطلبه تكسبا، ومنهم من يطلبه تفاخرا، ومنهم من يطلبه رياء وسمعة.

واليوم: قد زهد الناس في العلم وأهله، وقلدوا مفاتيح العز لآخرين، فأذاقهم الله ذل الجهل والتخلف.

واليوم: فقدت الأمة سلاح العلم، فظهرت بمظهر العجز، وتكالبت عليها الأمم من كل صوب.

إن جواب المأمون يعكس نظرة الأمة كلها آنذاك إلى العلم والعلماء، وما كانوا عليه رعاة ورعية من العناية والاهتمام والتعظيم للعلم وأهله، وتلك هي نظرة ديننا الحنيف إلى العلم والعلماء، ويوم أن أخطأت الأمة فهم دينها زهدت بالعلم وأهله، فتجرعت كؤوس الذل والهوان.

لقد كانت بلاد المسلمين في الماضي تعج بالعلماء في شتى المجالات، وأصبح العلم وأهله اليوم فينا غريب.

وفي الماضي كان الغرب يؤمون العالم الإسلامي لأخذ العلوم واكتساب المعارف في شتى المجالات والتخصصات، وأمتنا اليوم على قناعة بأنه لا تفوق لأبنائها إلا بتعلمهم في مؤسسات الغرب.

وفي الماضي استطاعت أمتنا أن تدك حصون الفرس والروم بسلاحي الإيمان والعلم، واليوم تهان كرامتها، وتستعمر أجزاؤها، ولا تستطيع فعل شيء ؛ لأنها تفتقر إلى عدوها في أدنى مقومات حياته.

هذا بعض ما حصدناه بسبب إبطائنا عن العلم وعدم اهتمامنا به، فقد توقفنا عن تنميته وتطويره، في الوقت الذي تلقف الغرب علمنا ونماه وطوره، ثم جاء يصفع به وجوهن.

إن الألم ليعتصر قلبي وأنا أتذكر أولئك العلماء والخبراء من أبنائنا، أصحاب العقول الراجحة، والخبرات النادرة، الذين لم يجدوا في أوطان المسلمين مكانا ولا اهتماما، فهاجروا إلى دول الغرب ؛ ليكونوا غنيمة باردة لهم، وخسارة فادحة لن.

هذه نفثة مصدور أبثها لأبنائنا؛ عسى أن تكون حافزا لهم على ركوب الطريق، وتحمل أعباء المسير، حتى يعود لأمتنا عزها ومجدها وسؤدده.

وليعلم الجميع أنه لن يعود للأمة مجدا ولا عزا إلا بالفهم الصحيح لدينها، وبالتطبيق الكامل لتعاليمه، فإساءة الفهم، والانتقائية في التطبيق: سببان للتخلف والخذلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.



نقلا عن ....

مجلة الدعوة الإسلامية...*


هذا المقال بقلم:

الدكتور حسن محمد عبه جي

كلية التربية – جامعة الملك سعود

Dr.abagi@gawab.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
من أعز الناس ؟!
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات طالب العلم الشرعي :: منتديات طالب العلم الشرعي :: منتدى القصص ... يختص بالقصص الواقعية ذات العبرة-
انتقل الى: