الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 مناظرة مع اللامذهبية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي


ذكر عدد الرسائل : 965
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 17/06/2007

مُساهمةموضوع: مناظرة مع اللامذهبية   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:43 pm

بسم الله الرحمن الرحيم


إخواني الكرام، أحب أن أضع بين أيديكم نص مناقشة جرت بين فضيلة الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي وأحد دعاة اللامذهبية، وهي منقولة من كتابه "اللامذهبية.. أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية" الذي ألفه في عام 1969م / 1389 هـ، لعلها تكون فائدة لمن لم يطلع على الكتاب، وذكرى لمن اطلع.

يقول الدكتور البوطي (اللامذهبية ص 133 – 148، دار الفارابي):



خلاصة مناقشة جرت بيني وبين بعض اللامذهبيين

لعل هذا الفصل يفوق في الأهمية سائر فصول هذه الرسالة!
وليس السبب في ذلك ما قد تجده فيه من نقاط وموازين علمية جديدة، فقد ذكرنا من الأدلة العلمية المختلفة ما يزيد عليه، ولكن السبب ما ستجده فيه من مظاهر العصبية التي قد لا تجدها عند أي ذي عقل من البشر! يتهمنا هؤلاء بالعصبية لأنا لا نرضى أن نتحول عن الحق الذي يقوم على ألف دليل ودليل، ولكنك ستجدهم من خلال هذا الفصل كيف يحبسون أنفسهم في أقفاص من العصبية المذهلة حتى ولو اقتضاهم ذلك أن يستنجدوا بالتباله والجنون!
ولست في هذا الفصل متقولاً ولا متجنياً على أحد.. ولن آتي بكلمة واحدة من دنيا الوهم أو الخيال، ولقد قلت للأخ الذي ناقشته في هذا البحث وهو يهدر إليّ بكلامه المذهل العجيب ـ سوف أنشر ما تقول إن أبيت إلا إصراراً عليه. ويعلم الله أني ما قلت ذلك له إلا وأنا أقصد إيقاظه إلى شيء من التدبر والتريث فيما يقول!.. ولكن الرجل قال لي: انشر ما تريد فلست خائفاً!.
ولسوف أتجنب التعريف بهذا الرجل وأضرب صفحاً عن ذكر اسمه، وحسبك أن تعلم أنه ممن يعلّم اللامذهبية لا ممن يتعلمها، وهو على ذلك إنسان فاضل وشاب مستقيم لولا هذه اللوثة التي قذفت به وبتفكيره إلى أقصى قاع في وادي العصبية العجيبة!
جاء ومعه بعض الشبان الطيبين الذين دأبهم البحث عن الحق في سائر مظانّه وبدأتُ معه الحديث، فقلت له:
ما هي طريقتك في فهم أحكام الله؟ أتأخذها من الكتاب والسنة أم من أئمة الاجتهاد؟
فقال: أستعرض أقوال الأئمة وأدلتهم عليها ثم أعتمد أقربها إلى دليل الكتاب والسنة!..
قلت: لديك خمسة آلاف ليرة سورية، مر عليها من الزمن ستة أشهر وهي مخزونة عندك، ثم اشتريت بها بضاعة وأخذت تتاجر بها، فمتى تدفع زكاة هذه البضاعة؟ بعد ستة أشهر أخرى أم بعد عام كامل؟
قال وهو يفكر: معنى سؤالك هذا أنك تقرر بأن أموال التجارة تجب فيها الزكاة!
قلت: إنني أسأل والمطلوب أن تجيبني بطريقتك الخاصة، وهذه هي المكتبة أمامك، فيها كتب التفسير والسنة وكتب الأئمة المجتهدين.
وفكر الرجل قليلاً، ثم قال:
يا أخي هذا دين وليس أمراً يسيراً يمكن الإجابة عليه عفو الخاطر، لا بد لذلك من نظر ومراجعة ودرس، ولا بد لذلك كله من وقت ونحن إنما جئنا لنبحث موضوعاً آخر!
فأعرضت عن هذا السؤال وقلت له:
حسناً.. وهل يجب على كل مسلم أن يستعرض أدلة الأئمة ثم يأخذ بأوفقها مع الكتاب والسنة؟
قال: نعم.
قلت: معنى ذلك أن الناس كلهم يملكون من الطاقة الاجتهادية ما يملكه أئمة المذاهب، بل إنهم يملكون طاقة أعظم وأتم لأن الذي يستطيع أن يحكم على آراء الأئمة أو يحكم لها على أساس من مقياس الكتاب والسنة فهو بلا ريب أعلم منهم جميعاً!!
قال: الحقيقة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مقلد، ومتبع، ومجتهد، فهذا الذي يتمكن من مقارنة المذاهب ببعضها وانتقاء ما كان أقرب منها إلى الكتاب، إنما هو متبع، وهو مستوى وسط بين التقليد والاجتهاد.
قلت: فما هو واجب المقلد؟
قال: يقلد من المجتهدين من اتفق.
قلت: وهل عليه من حرج أن يقلد واحداً منهم ويلازمه ولا يتحول عنه؟
قال: نعم يحرم عليه ذلك.
قلت: ما الدليل على حرمة ذلك؟
قال: الدليل أنه التزم شيئاً لم يلزمه الله عز وجل به.
قلت: بأي القراءات السبعة تقرأ القرآن؟
قال: بقراءة حفص.
قلت: أفتلتزم القراءة بها، أم تقرأ كل يوم بقراءة مختلفة؟
قال: بل أنا ألتزم القراءة بها.
قلت: فلماذا تلتزم ذلك، مع أن الله عز وجل لم يلزمك إلا أن تقرأ بالقرآن كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم متواتراً؟
قال: لأنني لم أتوفر على دراسة القراءات الأخرى ولم يتيسر لي القراءة إلا على هذا الوجه.
قلت: فهذا الذي درس الفقه على المذهب الشافعي، هو الآخر لم يتوفر على دراسة المذاهب الأخرى ولم يتيسر له أن يتفقه في أحكامه الدينية إلا على هذا الإمام، فإن ألزمته بمعرفة اجتهادات الأئمة كلها حتى يأخذ بجميعها لزمك أنت أيضاً أن تتعلم جميع القراءات حتى تقرأ بها كلها، وإن اعتذرت عن نفسك بالعجز كان عليك أن تعذر هذا المقلد أيضاً، وعلى كل فنحن نقول: ومن أين لك بأن على المقلد أن يلازم التحول من مذهب إلى آخر مع أن الله لم يلزمه بذلك، أي كما لم يلزمه بالاستمرار على مذهب بعينه لم يلزمه أيضاً بالتحول المستمر!
قال: إن الذي يحرم عليه إنما هو الالتزام مع اعتقاد أن الله أمره بذلك.
قلت: هذا شيء آخر، وهو حق لا شك فيه ولا خلاف، ولكن هل عليه من حرج أن يلازم مجتهداً بعينه وهو يعلم أن الله لم يكلفه بذلك؟
قال: لا حرج عليه.
قلت: ولكن الكراس الذي تدرس فيه يذكر خلاف ما تقول، إنه يقرر حرمة ذلك، بل ويقرر في بعض الأماكن كفر الذي يلازم اتباع إمام معين لا يتحول عنه.

[ملاحظة :الكراس المذكور في العبارة السابقة هو الكراس الذي ألف الدكتور البوطي كتابه اللامذهبية رداً عليه، وهو لرجل يسمى محمد سلطان المعصومي الخجندي، مدرس بالمسجد الحرام، ذكر فيه أشياء يندى لها الجبين عن اللامذهبية، وكان هذا الشاب المناظر الذي لم يفصح الدكتور البوطي عن اسمه ممن ينشرون هذا الكتاب ويعلمونه للعوام].

قال: أين؟... ورجع إلى الكراس يتأمل نصوصه وعباراته وراح يتأمل قول صاحب الكراس: "بل من التزم واحداً بعينه في كل مسائله فهو مخطئ متعصب مقلد تقليداً أعمى، وهو ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعاً". فقال: يقصد بالالتزام أن يعتقد وجوب ذلك عليه شرعاً، العبارة فيها قصور!..
قلت: وما الدليل على أنه هكذا يقصد، ولماذا لا تقول إن المؤلف مخطئ؟
وأصر الرجل على أن العبارة صحيحة، وأنها على تقدير محذوف وأن المؤلف معصوم عن أي خطأ فيها!
قلت: ولكن العبارة على هذا التقدير لا تواجه أي خصم وليس لها أي فائدة، فما من مسلم إلا وهو يعلم أن اتباع إمام بعينه من أئمة المذاهب ليس واجباً من الواجبات الشرعية، وما من مسلم يلازم مذهباً بعينه إلا وهو يفعل ذلك عن رغبة واختيار منه.
قال: كيف؟ إنني أسمع من كثير من الناس وبعض أهل العلم أنه تجب شرعاً ملازمة مذهب بعينه حتى إنه لا يجوز التحول منه إلى غيره!
قلت له: اذكر لي اسم واحد فقط من العوام أو من أهل العلم قال لك هذا الكلام.
وسكت الرجل ولكنه تعجب من أن يكون كلامي صحيحاً وظل يردد أن كل ما يتصوره هو أن كثيراً من الناس يحرّمون التنقل من مذهب إلى آخر.
قلت له: لا تجد اليوم ولا واحداً يعتقد هذا الوهم الباطل، نعم رووا عن بعض العصور الأخيرة من عهد العثمانيين أنهم كانوا يستعظمون تحول الحنفي عن مذهبه إلى مذهب آخر، ولا شك أن ذلك كان منهم ـ إن صح النقل ـ غاية في السخف والعصبية المقيتة العمياء.



يتبع..

***********************
*******************************

كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره


عدل سابقا من قبل المدير العام في الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:46 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kalo.aforumfree.com
المدير العام
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي


ذكر عدد الرسائل : 965
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 17/06/2007

مُساهمةموضوع: رد: مناظرة مع اللامذهبية   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:44 pm

قلت له بعد ذلك: ومن أين لك هذا الفرق بين المقلد والمتبع، أهو فرق لغوي أم اصطلاحي؟
قال: بل بينهما فرق لغوي.
وجئته بمراجع اللغة ليثبت منها الفرق اللغوي بين الكلمتين فلم يجد شيئاً.
ثم قلت: إن أبا بكر رضي الله عنه قال لأعرابي اعترض على الدخل الذي أقره المسلمون له: إذا رضي المهاجرون فإنما أنتم تبع، فقد عبر بالتبعية عن الموافقة التي ليس معها أي حق في النظر والمناقشة والبحث [حاشية عند هذا الموضع: ومثله قوله تعالى: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب) فقد عبر بالتبعية عن أحط مظهر من مظاهر التقليد الأعمى].
قال: فليكن فرقاً اصطلاحياً.. أليس من حقي أن أصطلح على شيء؟
قلت: بلى، ولكن اصطلاحك هذا لن يغير من حقيقة الأمر، فهذا الذي تسميه متبعاً إما أن يكون خبيراً بالأدلة وطرق الاستنباط منها، فهو إذاً مجتهد، وإن لم يكن خبيراً بها أو غير قادر على استنباط الأحكام منها، فهو إذاً مقلد، وإن كان في بعض المسائل هكذا وفي بعضها هكذا، فهو إذاً مقلد في البعض ومجتهد في البعض، فالقسمة إذاً ثنائية على كل حال، وحكم كل منهما واضح ومعروف.
قال: إن المتبع هو ذاك الذي يستطيع أن يمايز بين الأقوال وأدلتها ويرجح البعض منها على الآخر، وهذه مرتبة مختلفة عن محض التقليد.
قلت: إن كنت تقصد بالتمييز بين الأقوال تمييزها عن بعضها بقوة الدليل وضعفه فتلك أرفع مراتب الاجتهاد، وهل بوسعك أن تكون أنت شخصياً كذلك؟
قال: إني أفعل ذلك جهد استطاعتي.
قلت له: أنا أعلم بأنك تفتي بأن الطلاق الثلاث في مجلس واحد إنما يقع طلقة واحدة، فهل رجعت في فتواك هذه إلى أقوال الأئمة وأدلتهم في ذلك ثم مايزت بينها فأفتيت بناء على ذلك؟.. إن عويمر العجلاني طلق زوجته ثلاثاً في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن لاعن منها، فقد قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها هي طالق ثلاثاً، فما علمك بهذا الحديث وموقعه من هذه المسألة ومدى دلالته على مذهب الجمهور أو مذهب ابن تيمية؟
قال: لم أطلع على هذا الحديث.
قلت: فكيف أفتيت بهذه المسألة مخالفاً فيها ما أجمعت عليه المذاهب الأربعة دون أن تقف على أدلتهم ومدى ضعفها أو قوتها؟.. فها أنت قد تركت مبدأك الذي تقول إنك قد ألزمت نفسك به وتحاول أن تلزمنا به، وهو مبدأ الاتباع بالمعنى الذي اصطلحت عليه!
قال: لم تكن لدي إذ ذاك كتب كافية لأستعرض فيها مذاهب الأئمة وأدلتها.
قلت: فما الذي حملك على أن تتعجل بالفتوى مخالفاً فيها جمهور المسلمين وأنت لم تطلع بعد على شيء من أدلتهم؟
قال: أفعل وقد سئلت.. وليس لدي إلا قدر محدود من المراجع؟
قلت: كان يسعك ما وسع العلماء والأئمة جميعاً، وهو أن تقول: لا أدري، أو أنتقي له رأي المذاهب الأربعة ورأي المخالفين دون أن تفتي بأحد القولين، كان يسعك أن تفعل ذلك، بل كان هذا هو واجبك، خصوصاً وأن المشكلة لم تنزل بك أنت حتى تكون مضطراً إلى الأخذ بمخرج ما من الأمر!.. أما أن تفتي بالرأي المخالف لإجماع الأئمة الأربعة وأنت لم تطلع ـ باعترافك ـ على أدلتهم مكتفياً بانشراح قلبك لأدلة المخالفين فهذا منتهى التعصب الذي تتهموننا به.
قال: لقد اطلعت على آراء الأئمة الأربعة في الشوكاني وسبل السلام وفقه السنة لسيد سابق.
قلت: فهذه كتب خصوم الأئمة الأربعة في هذه المسألة وكلها ينطق من طرف واحد ويذكر من الحجج ما يقوي طرفه، أفترضى أن تحكم على أحد الخصمين بناء على سماع كلامه فقط وكلام شهوده وأقاربه؟
قال: إنني لا أرى في تصرفي هذا ما يستوجب أي لوم، لقد كان علي أن أفتي السائل وهذا مبلغ ما استطعت أن أصل إليه بفهمي.
قلت: أنت تقول بأنك متبع وأن علينا جميعاً أن نكون كذلك وفسرت الاتباع باستعراض أقوال المذاهب كلها ودراسة أدلتها واعتماد أقرب هذه المذاهب إلى الدليل الصحيح وأنت في تصرفك هذا ضربت بمبدئك عرض الحائط، أنت تعلم أن إجماع المذاهب الأربعة على أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثاً، وتعلم أن لهم أدلة على ذلك، وأنت لم تطلع عليها، ومع ذلك تحولت عن إجماعهم إلى الرأي الذي تشتهيه نفسك، أفكنت على يقين سلفاً بأن أدلة الأئمة الأربعة أدلة مردودة.
قال: لا، ولكن لم أطلع عليها إذ لا مرجع عندي لها.
قلت: فلماذا لم تنتظر؟ لماذا استعجلت ولم يكلفك الله بذلك أبداً؟ أفكان عدم اطلاعك على أدلة الجمهور دليلاً يقوي رأي ابن تيمية؟ هل التعصب الذي تتهموننا به زوراً شيء آخر غير هذا؟
قال: لقد رأيت في الكتب التي توفرت لدي أدلة أقنعتني وما كلفني الله بأكثر من ذلك.
قلت: فإذا رأى المسلم فيما اطلع عليه من الكتب دليلاً على شيء، أفيكفيه ذلك موجباً لترك المذاهب التي خالفت فهمه وإن لم يطلع على أدلتها؟
قال: يكفيه ذلك!
قلت: شاب جديد العهد بالتدين، ليس له أي حظ من الثقافة الإسلامية، قرأ قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) (البقرة: 115) ففهم منه أن للمسلم أن يتجه في صلاته إلى أي جهة شاء كما يدل على ذلك ظاهر اللفظ، ولكنه سمع أن الأئمة الأربعة مجمعون على ضرورة اتجاهه إلى الكعبة وعلم أن لهم على ذلك أدلة ولكنه لم يطلع عليها، فماذا يفعل إذا قام إلى الصلاة، أيتبع قناعته من الدليل الذي توفر لديه أم يتبع الأئمة الذين أجمعوا على خلاف ما فهم؟
قال: بل يتبع قناعته!!
قلت: ويصلي إلى جهة الشرق مثلاً وتكون صلاته صحيحة؟! [ملاحظة (ابن الأموي): القبلة في دمشق الشام حيث جرت هذه المناقشة هي إلى الجنوب كما هو معلوم].
قال: نعم، إذ هو مكلف باتباع قناعته الذاتية!
قلت: فهب أن قناعته الذاتية أوحت إليه أن لا حرج عليه في أن يزني بحليلة جاره وأن يملأ جوفه خمراً وأن يسلب أموال الناس بدون حق، أفيحل الله له ذلك كله بفضل قناعته الذاتية!
وسكت الرجل قليلاً ثم قال: على كل هذه الصورة التي تسألني عنها صورة وهمية لا تتحقق.
قلت: هي ليست وهمية، بل ما أكثر ما يتحقق مثلها وأغرب منها.. شاب لا علم له بالإسلام وكتابه وسننه، وسمع عرضاً أو قرأ صدفة هذه الآية، فعلم منها ما يعلم كل عربي ينظر إلى ظاهر اللفظ أن لا حرج في أن يتجه المصلي إلى أي جهة يشاء، رغم ما يراه من اتجاه الناس إلى الكعبة دون سواها.. أمر طبيعي التصور والوقوع ما دام في المسلمين من يجهل كل شيء عن الإسلام. وعلى كل فقد حكمت على هذه الصورة (وهمية كانت أو حقيقية) بحكم غير وهمي واعتبرت القناعة الذاتية هي المحكَّمة على كل حال، وهذا يناقض تقسيمك للناس إلى ثلاث فئات: مقلدين ومتبعين ومجتهدين.
قال: إن عليه أن يبحث.. ألم يقرأ حديثاً أو أي آية أخرى؟
قلت: لم تتوفر لديه مصادر البحث تماماً كما لم تتوفر لديك عندما أفتيت في مسألة الطلاق، ولم يتح له أن يقرأ غير هذه الآية مما يتعلق بأمر القبلة وتعيينها، أفلا تزال مصراً على أنه يتبع قناعته الذاتية ويترك إجماع الأئمة؟
قال: نعم، إذا لم يستطع أن يتابع النظر والبحث فقد أعذر وحسبه أن يعتمد على ما هداه إليه نظره وبحثه!
قلت: إنني سأنشر عن لسانك هذا الكلام.. إنه لكلام خطير وعجيب.
قال: انشر ما شئت، إنني لا أخاف.
قلت: وكيف تخاف مني إذا كنت لا تخاف من الله عز وجل وتطرح بكلامك هذا قوله عز وجل: (فاسألو أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء: 7) عرض الحائط.
قال: يا أخي هؤلاء الأئمة غير معصومين أما الآية التي اعتمدها فهي كلام المعصوم، فكيف يترك المعصوم، ويلحق بذيل غير المعصوم؟
قلت: يا هذا المعصوم هو المعنى الحقيقي الذي أراده الله بقوله (ولله المشرق والمغرب..) وليس المعصوم هو فهم هذا الشاب البعيد كل البعد عن ثقافة الإسلام وأحكامه وطبيعة قرآنه، أي فالمقارنة التي أسألك عنها هي بين فهمين اثنين: فهم هذا الشاب الجاهل، وفهم الأئمة المجتهدين، وكلاهما غير معصومين، إلا أن أحدهما موغل في الجهل والسطحية، والآخر موغل في البحث والعلم والدقة.
قال: إن الله لا يكلفه بأكثر مما وصل إليه جهده


يتبع..

***********************
*******************************

كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kalo.aforumfree.com
المدير العام
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي


ذكر عدد الرسائل : 965
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 17/06/2007

مُساهمةموضوع: رد: مناظرة مع اللامذهبية   الأربعاء ديسمبر 24, 2008 11:45 pm

قلت: أجبني إذاً على هذا السؤال: رجل له طفل مريض يعاني من بعض الالتهابات أشرف عليه جميع أطباء البلدة، واتفقوا على إعطائه علاجاً معيناً، وحذروا والده من أن يحقنه بالبنسلين وأخبروه بأنه لو فعل ذلك عرض حياة الطفل للهلاك.. إلا أن والد الطفل يعلم مما قرأ في بعض النشرات الطبية أن البنسلين يفيد في حالات الالتهاب، فاعتمد على معلوماته الخاصة في ذلك ونبذ كلام الأطباء لأنه لا يعلم دليلهم على ما قالوا، فاستعمل قناعته الذاتية وعالج الطفل بحقنة بنسلين انتقل على أثرها إلى رحمة الله، أفيقاضى الرجل ويأثم فيما فعل أم لا؟
ففكر الرجل قليلاً، ثم قال: هذه غير تلك!
قلت: بل هي عينها.. سمع عن إجماع الأطباء كما سمع ذاك عن إجماع الأئمة، ولكنه اعتمد على نص قرأه دون سواه في نشرة طبية كما اعتمد ذاك نصاً قرأه دون سواه في كتاب الله عز وجل، واستعمل هذا قناعته الذاتية كما استعمل ذاك قناعته الذاتية!
قال: يا أخي القرآن نور.. نور.. وهل النور في دلالته مثل أي كلام آخر؟
قلت: ونور القرآن ينعكس إلى عقل أي ناظر وقارئ فيفهمه نوراً كما أراد الله؟! فما الفرق بين أهل الذكر وغيرهم إذاً ما داموا جميعاً ينهلون من هذا النور؟
المثالان سواء، لا فرق بينهما إطلاقاً ولا بد أن تجيبني: أيتبع الباحث فيهما قناعته الذاتية أم يتبع ويقلد أهل الاختصاص؟
قال: بل القناعة الذاتية هي الأصل.
قلت: وقد استعمل قناعته الذاتية فترتب على ذلك وفاة الطفل، فهل تترتب عليه أي مسؤولية شرعية أو قضائية؟
وقال الرجل بملء فمه: لا تترتب عليه أي مسؤولية!
قلت: فلنختم البحث والنقاش دون هذه الكلمة التي أطلقتها، لقد انقطع بها السبيل إلى أي قدر مشترك بين وبينك يمكن أن يقام عليه أي بحث، وحسبك أنك خرجت بجوابك العجيب هذا عن إجماع الملة الإسلامية كلها.. ولا والله لن يكون أي معنى للتعصب المقيت على وجه الأرض إن لم تكونوا أنتم أصحاب هذا التعصب المقيت.
المسلم الجاهل يستعمل قناعته الذاتية في فهم ما اطلع عليه من القرآن ويصلي إلى غير القبلة مخالفاً كل المسلمين فتكون صلاته صحيحة! والرجل العامي من الناس يستعمل قناعته الذاتية فيطبب من شاء ويعالج كما يشاء ويموت المريض تحت يده فيقال له: الله يعطيك العافية!
ولست أدري إذاً، لماذا لا يدعنا هؤلاء الناس وشأننا لنستعمل نحن أيضاً قناعتنا الذاتية في أن الجاهل بأحكام الدين وأدلتها لا بد له أن يتمسك بمذهب إمام من الأئمة المجتهدين يتبعه من حيث إنه أبصر منه بكتاب الله وسنة رسوله.
ومهما يكن من خطأ هذا الرأي عندهم فلتشمله على كل شفاعة القناعة الذاتية، وليكن له أسوة عندهم برأي من استدبر القبلة فكانت صلاته صحيحة، وقتل الطفل فكان قتله اجتهاداً وتطبيباً.

اهـ

***********************
*******************************

كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kalo.aforumfree.com
 
مناظرة مع اللامذهبية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات طالب العلم الشرعي :: منتديات طالب العلم الشرعي :: المنتدى العام .. نبض القلب ... وهمس الروح-
انتقل الى: