الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 نقد المتن عند المحدثين 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي


ذكر عدد الرسائل : 965
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 17/06/2007

مُساهمةموضوع: نقد المتن عند المحدثين 2   الثلاثاء ديسمبر 30, 2008 7:31 pm




بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله تبارك وتعالى كما ينبغي لجلال وجهه ، ويليق بعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، وأشهد أن حبيبنا ومولانا ووسلتنا إلى ربنا سيدنا محمدا عبد الله ورسوله ، صل اللهم عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد:
يقول الله تعالى :{ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }
لقد منَّ الله تعالى على هذه الأمة بأن حفظ لها أصولها المتمثلة في مصدري الوحي: الكتاب والسنة.
ولقد بذل المحدثون جهودا طيبة في حفظ السنة ، رواية ودراية ، وتحملا وأداء، وتمحيصا وتنقيحا، وتعليلا وتصحيحا.
يقول الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى :" فالله تعالى بلطف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا، تفرغوا له وأفنوا أعمارهم في تحصيله ، والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين " ( فتح المغيث شرح ألفية الحديث 1/274).
وقد أكبر كل المنصقين تلك الجهود ، وأقروا بأنها أرقى ما توصلت إليه الأمم في تثبيث الأخبار وتوثيقها، اللهم إلا صرخات نشاز ، حاولت الانتقاص من تلك الجهود ، فزعمت أن عناية المحدثين قد انصبت على نقد سند الحديث والبحث في رجاله ، أو ما أسموه " النقد الخارجي" ، وأغفلوا نقد المتن وتمحيصه ، أو ما أسموه " النقد الداخلي ".
وقد تولى كبر هذه الفرية بعض المستشرقين ، وقلدهم في ذلك نفر من أبناء جلدتنا من " المثقفين "!! ، الذين حاولوا إلباسها لبوس البحث العلمي !!.
يقول المستشرق (( غاستون ويت )) :" قد درس رجال الحديث السنة بإتقان ، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض..لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول – أقول: صلى الله عليه وآله وسلم – مشافهة ، ثم جمعه الحفاظ ودونوه ، إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن ، ولذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن الرسول – أقول صلى الله عليه وآله وسلم – من غير أن يضيف إليه الرواة شيئا عن حسن نية في أثناء روايتهم للحديث " ( انظر: التاريخ العام للديانات "الإسلام " ،ص: 366، نقلا عن كتاب : السنة قبل التدوين ،ص: 254) .
ويقول الأستاذ أحمد أمين : " وقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها، ولكنهم – والحق يقال – عنوا بنقد الإسناد أكثر مما عنوا بنقد المتن ، فقل أن تظفر منهم بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتفق والظروف التي قيلت فيه ، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه ، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسلفي الذي يخالف المألوف من تعبير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه ، وهكذا " ( فجر الإسلام، ص:217-218).
ويقول أيضا :" وفي الحق أن المحدثين عنوا عناية بالغة بالنقد الخارجي، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي "(ضحى الإسلام2/130).
ويقول الدكتور أحمد البهي :" إن رجال الحديث كان كل همهم منصرفا إلى تصحيح السند والرواية ، دون الاهتمام بتمحيص متن الحديث نفسه الذي هو النص" ( مجلة العربي،عدد:89،سنة1966،ص:13).
ونحتاج لمناقشة هذه الأقوال إلى بيان معنى النقد ، ثم بيان أن النقد الداخلي للمتون لم يكن غائبا في منهج النقد الحديثي عند المحدثين ، مع تحديد المعايير التي اعتمدها المحدثون في نقدهم للمتون.
1- تعريف النقد :
النقد في اللغة : تمييز الجياد من الزيوف من الأشياء.
يقال: نقد الدراهم وانتقدها : أخرج منها الزيف.
أما في الاصطلاح : فيعرفه الأستاذ أحمد نور سيف بأنه : " علم يبحث في تمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة ، وبيان عللها، والحكم على رواتها جرحا وتعديلا، بألفظ مخصوصة ، ذات دلائل معلومة عند أهل الفن " ( مقدمة التاريخ لابن معين 1/5).
وهكذا فإن النقد الحديثي يهدف إلى التمييز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة ، وهو في هذا يرتكز على دعامتين :
الدعامة الأولى : نقد السند – أو ما يسمى النقد الخارجي - :
وقد اعتنى المحدثون بهذه الدعامة ، وجعلوها الأصل الأول الذي بنوا عليه نقدهم ، على اعتبار أنه الأساس الأول في إثبات النص عن مصدره، وتوثيقه إلى القائل به أو نفيه عنه .
الدعامة الثانية : نقد المتن – أو ما يسمى بالنقد الداخلي - :
الذي يتناول دراسة محتوى النص ونقد مضمونه ، لمعرفة صحته ، وسلامته من التصحيف .
وقد عني المحدثون أيضا بهذا الجانب ولم يغفلوه ، إلا أن هذه العناية لم تكن أمرا مشتركا عند جميع المحدثين، وإنما خُصَّ بها الجامعون بين الحديث والفقه.
2- النقد الداخلي عند المحدثين :
إن نقد الحديث بدأ منذ عصر مبكر من عصور الرواية ، غير أن هذا النقد لم يعنى بالجانب الخارجي ( السند ) فقط ، وإنما ارتكز على الجانب الداخلي ( المتن ).
وهذه نماذج للنقد المبكر تدلل على ما قلناه :
يقول الحافظ الذهبي رحمه الله في ترجمة سيدنا أبي بكر الصديق رضوان الله عليه في تذكرة الحفاظ :" وكان أول من احتاط في قبول الأخبار ، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تلتمس أن تُوَرَّث ، فقال: ما أجدُ لكِ في كتاب الله شيئا ، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيها السدس، فقال له : هل معك أحد؟، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك ، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه ".
وقال في ترجمة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل ، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجريري –يعني سعيد بن إياس – عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلَّم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات ، فلم يُؤذن له، فرجع ، فأرسل عمر في أثره ، فقال: لم رجعت ؟، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إذا سلم احدكم ثلاثا فلم يُجَبْ فليرجع " ، فقال: لتأتيني ببينة أو لأفعلن بك !، فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟، فأخبرنا، وقال: هل سمع أحد منكم ؟، فقلنا: كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره".
وأخرج أبو داود 2/288، والنسائي 2/116، أن فاطمة بنت قيس أخبرت عمر أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها سكنى ولا نفقة ، فقال عمر: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وآلأه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت ، لها السكنى والنفقة ، قال الله عز وجل :{ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }[الطلاق:1].
وردت أمنا عائشة رضي الله عنها حديث عمر وابنه عبد الله وأبي هريرة :" إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" ،وقالت : حسبكم القرآن { ولا تزر وازرة وزر أخرى }[الأنعام:164] كما في صحيح البخاري 2/77، ومسلم 3/42.
إلى غير ذلك من الأمثلة.
والملاحظة التي يمكن ان نبديها تجاه هذه النماذج النقدية المبكرة أنها لم تكن نقدا خارجيا ، أي نقدا للسند ، فلم يكن رواة هذه المرويات مطعونا في عدالتهم ، أو مشكوكا في ضبطهم ، بل هم في الذروة من العدالة والضبط، فهي إذن كلها انصبت في النقد الداخلي، أي نقد المتن ، من خلال تحليل مضمونه، وتقييم متنه ، وفق دعائم وأصول ومعايير محددة.
ولعلهم في هذا يستندون إلى ما رواه الإمام أحمد في مسنده 5/425 من حديثه صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله أنه قال :" إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم ، وتلين له أبشاركم وأشعاركم ، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم ، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد ، فأنا أبعدكم عنه " صححه ابن حبان.
وقال التابعي الجليل الربيع بن خثيم رحمه الله :" إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه ، وللكذب ظلمة كظلمة الليل تنكره".
وقد استلهم المحدثون هذا المسلك وقرروه ، وأصلوا له.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى :" لا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق الخبر وكذبه ، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكبر بدلالات الصدق منه " ( الرسالة،ص:399).
وهذه كلمة ذهبية من الإمام الشافعي رحمه الله تعالى .
ويقول الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى :" وقد يكون إسناد الحديث كله ثقات ، ويكون الحديث موضوعا أو مقلوبا أو جرى فيه تدليس، وهذا من أصعب الأمور، ولا يعرف ذلك إلا النقاد " ( الموضوعات 1/99-100).
ويقول الحاكم رحمه الله :" وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات، أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه ، فيصير الحديث معلولا ، والحجة فيه عندنا : الحفظ والفهم والمعرفة لا غير " ( معرفة علوم الحديث،ص: 112).
وقال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى :" قال شيخ الإسلام – يعني به الحافظ ابن حجر العسقلاني - : وبقي من كلام الحاكم : وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على هذا ، قال: وهذا القيد لابد منه ، قال: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة..وهذا على هذا أدق من المعلل بكثير، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان في الذروة من الفهم الثاقب ، ورسوخ القدم في الصناعة " (تدريب الراوي 1/233).
ويقول ابن القيم رحمه الله في (( المنار المنيف في الصحيح والضعيف )) ص: 44 فما بعد : " وسئلت هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده ؟، فهذا سؤال عظيم القدر ، وإنما يعلم ذلك من تطلع في معرفة السنن الصحيحة ، واختلطت بلحمه بدمه ...".
ثم ذكر مجموعة من القواعد الكلية في ذلك ، حيث ذكر 44 قاعدة ، ومثل لها بـ 273 حديثا ، وبين وجه بطلانها عن مجرد نقد المتن ، ولم يعرج عن نقد السند في شيء قط.
ومن جملة تلك القواعد التي ذكر :
1- تكذيب الحس للحديث .
2- مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينة.
3- مخالفة الحديث صريح القرآن .
4- ما يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنها باطل.
إلى غير ذلك.
وهكذا فإن نقد المتن أو النقد الداخلي أمر لم يغيب عن مناهج المحدثين ، بل كان حاضرا، أصلوا له ، ونبهوا على خطره ، وعلى أن التصدي له لا يتأتى إلا لأنباه العلماء ممن جمعوا بين الحديث والفقه .
يقول ابن الجوزي رحمه الله : " اعلم أن للأحاديث دقائق وآفات ، لا يعرفها إلا العلماء الفقهاء ، تارة في نظمها ، وتارة في كشف معناها " (( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ، ص: 143)).
ويقول البيهقي رحمه الله : " وهذا – أي نقد المتن – لا يقف عليه إلا الحذاق من أهل الحفظ " (( دلائل النبوة 1/30)).
بقي أن نشير في ختام هذه الفقرة إلى قول السيوطي رحمه الله :" ولعسره – أي نقد المتن – لم يفرده أحد بالتصنيف " (( تدريب الراوي1/233)) ، وذلك قصد أن ننبه إلى أن الشيخ العلامة المحدث عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله قد أفرد في ذلك كتابا ، سماه (( الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة )) ، فهو أول من حرر في هذه المسألة تصنيفا مستقلا .والله أعلم .
وقد عني بالشاذ هنا: مخالفة الحديث – ولو كان صحيحا سنده – لما تواتر، أو للقواعد المقررة . (( انظر: الفوائد المقصودة،ص:86)).
3- معايير نقد المتن :
يتبع إن شاء الله تعالى




***********************
*******************************

كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kalo.aforumfree.com
المدير العام
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي


ذكر عدد الرسائل : 965
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 17/06/2007

مُساهمةموضوع: رد: نقد المتن عند المحدثين 2   الثلاثاء ديسمبر 30, 2008 7:34 pm



2- معايير نقد المتن : وأما عن المعايير التي اعتمدها العماء في نقد المتن ،فيمكن أن نحددها من خلال كلمة الإمام الشافعي رحمه الله التي ذكرناها سابقا، ونعيدها هنا.
قال الإمام الشافعي رحمه الله :" لا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق الخبر وكذبه ، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكبر بدلالات الصدق منه" ( الرسالة،ص:399).
أي إن معايير نقد المتن ترجع إلى معيارين اثنين :
أولهما: التحديث بما لا يجوز مثله ، أي بما يستحيل ، سواء كانت هذه الاستحالة من الناحية العقلية ، أو من الناحية التاريخية.
ثانيهما: التحديث بما يخالف ما هو أثبت ، أي مخالفة الثابت المقرر.
المعيار الأول : التحديث بما لا يجوز مثله
1- الاستحالة العقلية : أي أن يكون متن ذلك الحديث مخالفا لما هو مقرر عقلا.
قال السيوطي رحمه الله تعالى :" ومن أوضح أمثلته ما أخرجه –أي الحاكم - في المستدرك من طريق عبيد بن غنام النخعي عن علي بن حكيم عن شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: " في كل أرض نبي كنبيكم ، وآدم كآدم، ونوح كنوح ، وإبراهيم كإبراهيم ، وعيسى كعيسى "، وقال: صحيح الإسناد..ولم ازل أتعجب من تصحيح الحاكم له حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح ، ولكنه شاذ بمرة " ( تدريب الراوي1/233).
قال العلامة سيدي عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله :" وهو كما قال، فإنه لا يعقل أن يوجد آدمان ونوحان وإبراهيمان إلخ، ولا دليل يدل لذلك من عقل ولا نقل " (الفوائد المقصودة،ص:99).
2- الاستحالة التاريخية : أي أن يكون متن الحديث مثضمنا لمعطيات تاريخية تخالف الحقائق التاريخية الثابتة.
مثاله : مارواه مسلم في صحيحه في فضائل الصحابة ، باب من فضائل أبي سفيان ، من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس قال: :" كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا نبي الله ثلاث أعطينهن ، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها ؟، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك !،قال: نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين !، قال: نعم ".
قال السيد عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله :" هذا الحديث شاذ منكر، حتى قال ابن حزم : إنه موضوع ، واتهم به عكرمة بن عمار، لأنه يخالف ما ثبت في كتب السيرة ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج أم حبيبة وهي بالحبشة حين هاجرت إليها، وأصدقها النجاشي عنه أربعمائة دينار، ولما جاء أبوها أبو سفيان إلى المدينة لتجديد العهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ودخل عليها فأراد أن يجلس على بساط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزعته من تحته ، وقالت : إنه بساط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنت مشرك ، فقال: أي بنية!!، قد أصابك بعدي شر!!. وهذا متفق عليه عند أهل التاريخ.
وقول أبي سفيان : أريد أن تأمرني ، قال: نعم . قال القرطبي : ولم يسمع قط أنه أَمَّره إلى أن توفي، وكيف يخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوعد، هذا مما لا يجوز عليه، وأبو سفيان أسلم عام الفتح مكرها، وكان الصحابة لا يقاعدونه ولا ينظرون إليه لصنعه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالمسلمين في شكره، إذ لم يصنع أحد كصنعه.
ومعاوية لم يكتب الوحي ، وإنما كان يكتب الرسائل ، ولم يصح عنه إلا كتابة رسالتين ، فالذين يقولون إنه كان يكتب الوحي مخطئون " اهـ ( الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة، ص: 104-105).
المعيار الثاني: التحديث بما يخالف ما هو أثبت :
وصور ذلك كثيرة ، كأن يخالف أصلا قرآنيا ، أو يخالف متن خبر الآحاد أصلا ثبت بالتواتر ، أو يخالف الواقع ، ونحو ذلك.
والأمثلة في هذا الباب كثيرة.
فمن ذلك :
1- رد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس في المطلقة ثلاثا أنها لا سكنى لها ولا نفقة ، لمخالفته ظاهر قوله تعالى { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }.
2- ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا :" خلق الله عز وجل التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ".
فهذا الحديث يفيد أن الله خلق السموات والأرض في سبعة أيام ، وهذا مخالف للقرآن ، وذلك لأن الله تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام.قال الله تعالى { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام } [ الأعراف، الآية:53].
قال ابن كثير في تفسيره1/99 :" هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم فيه ابن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وقد اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعا ".
3-روى مسلم أيضا عن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي غنم بين أحد والجوانية ، فيها جارية لي، فأطلعتها ذات يوم ، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، فأسفت فصككتها، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فذكرت ذلك له ، فعظم ذلك علي، فقلت :يا رسول الله أفلا أعتقها؟!، قال: ادعها، فدعوتها، فقال لها: أين الله ؟!، قالت:في السماء، قال: من أنا؟، قالت: أنت رسول الله، قال: فأعتقها، فإنها مؤمنة!!".
قال السيد عبد الله بن الصديق رحمه الله :" الحديث شاذ لا يجوز العمل به، وبيان شذوذه من وجوه :
- مخالفته لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا أتاه شخص يريد الإسلام سأله عن الشهادتين، فإذا قبلها حكم بإسلامه.
وفي الموطأ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتشهدين أن لا إله إلا الله؟، قالت: نعم، قال: أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟، قالت: نعم، قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟، قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أعتقها ".
وهذا هو المعلوم من حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة.
..وجاء حديثان مخالفان لحديث معاوية يؤكدان شذوذه. فروى البيهقي من طريق عون بن عبد الله بن عتبة حدثني أبي عن جدي قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمة سوداء، فقالت: يا رسول الله علي رقبة مؤمنة ، أتجزئ عني هذه ؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من ربك ؟، قالت: الله ربي ،قال: فما دينك؟، قالت : الإسلام، قال: من أنا؟، قالت: أنت رسول الله.قال: أفتصلين الخمس وتقرين بما جئت به من عند الله ؟، قالت: نعم.فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ظهرها وقال: أعتقيها.
وروى أيضا من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة عن الشريد بن السويد الثقفي قال: قلت يا رسول الله إن أمي أوصت إلي أن أعتق عنها رقبة ، وأنا عندي جارية نوبية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ادع بها.فقال: من ربك ؟، قالت : الله ، قال: فمن أنا؟، قالت : رسول الله .قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
وجاء حديث ثالث..
- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أركان الإيمان في حديث سؤال جبريل ، حيث قال : "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " ولم يذكر فيها عقيدة أن الله في السماء.
- أن العقيدة المذكورة لا تثبت توحيدا ولا تنفي شركا، فكيف يصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم صاحبها بأنه مؤمن؟!!..كان المشركون يعتقدون أن الله في السماء، ويشركون معه آلهة في الأرض..
- أن كون الله في السماء ليس على حقيقته عند جماعة من العلماء، بل هو مؤول عندهم على معنى العلو المعنوي. قال الباجي على قول الجارية: في السماء :" لعلها تريد وصفه بالعلو ، وبذلك يوصف من كان شأنه العلو ، يقال: مكان فلان في لسماء، يعني علو حاله ورفعته وشأنه"..وأركان الإيمان لا يدخلها أويل " انتهى ( الفوائد المقصودة،ص: 87-91).
وكلامه غاية في الجودة والإتقان ، فلله دَرُّه !!.
4- قال الإمام مسلم في كتابه ( التمييز ، ص: 208-209) :" حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ، حدثنا زياد بن حباب حدثنا عمر بن عبد الله بن أبي خثعم حدثني يحيى بن أبي بكير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله ! ما الطهور بالخفين ؟، قال: للمقيم يوم وليلة ، وللمسافر ثلاث أيام ولياليهن ".
قال مسلم : هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة، وذلك أن أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين.
وبعد أن ساق الرواية عن أبي هريرة في ذلك ، قال :" ولو كان قد حفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به ، فلما أنكره للذي في الخبر من قوله : ما أمرنا أن نمسح على جلود البقر والغنم ، والقول الآخر: ما أبالي على ظهر حمار مسحت أو على خفي " بان ذلك أنه غير حافظ للمسح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن من أسند ذلك عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهي الرواية ، أخطأ فيه سهوا أو تعمدا ".
قال: " فبجمع هذه الروابات ومقابلة بعضها ببعض تميز صحيحها من سقيمها ".
وهذا رسم واضح لمنهج النقاد في نقد الأحاديث ، يؤكد لنا على أن موافقة متن الراوي للواقع أو مخالفته له، هي مقاييس لتحديد أحواله ، وأركان أساسية لتصحيح حديثه أو تعليله.
وأختم هذا العرض بإثارة الانتباه إلى أن نقد المتن من خلال هذه النماذج والأمثلة التي عرضت قد مس حتى أحاديث الصحيح التي تبقيت بالقبول، مما يؤكد لنا دقة نقد المحدثين ، وسلامة منهجهم وتجردهم. هذا والله تعالى أعلم.


***********************
*******************************

كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kalo.aforumfree.com
المدير العام
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي
المشرف العام على منتديات طالب العلم الشرعي


ذكر عدد الرسائل : 965
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 17/06/2007

مُساهمةموضوع: رد: نقد المتن عند المحدثين 2   السبت يناير 03, 2009 5:46 pm


***********************
*******************************

كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kalo.aforumfree.com
 
نقد المتن عند المحدثين 2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات طالب العلم الشرعي :: منتديات طالب العلم الشرعي :: منتدى الحديث الشريف ... قسم يختص بالحديث والمصطلح-
انتقل الى: